الهمذاني
أبوالفضل أحمد بن الحسين الهمذاني المشهور ببديع الزمان ، عربي الأصل فارسي النشأة ، من أشهر الكتاب الشعراء في القرن الرابع الهجري . وُلدَ في همذان وتتلمذ على يد أبي الحسين ، أحمد بن فارس اللغوي الكبير ، وعلى يد عيسى بن هشام الإخباري وغيرهما .
اتسمت حياته القصيرة نسبيًا بكثرة التنقل والترحال . فقد ارتحل عن همذان سنة 380هـ ، وكان عمره آنذاك نحو اثنتين وعشرين سنة. وقصد الوزير الكاتب الصاحب ابن عبَّاد في الرَّيّ ومكث عنده زمنًا . ثم ترك الصاحب وارتحل إلى جرجان حيث أقام بها مدة على مداخلة الإسماعيلية والتَّعيُّش في أكنافهم ، كما يقول الثعالبي . لكن المقام لم يطب له فيها طويلاً فتركها وقصد نيسابور التي وافاها سنة 382هـ ، بعد أن سلبه قُطَّاع الطريق وهو في طريقه إليها . وكانت نيسابور آنذاك موطنًا للأديب الكبير أبي بكر الخوارزمي ، الذي يبدو أن بديع الزمان كان يؤمل الخير على يديه . لكن الخوارزمي لم يُحسن إليه وخيَّب ظنه ، فأبغضه بديع الزمان ودخل معه في مناظرات مشهورة (رواها بديع الزمان نفسه) حول عدد من الموضوعات الأدبية. وقد استطاع بديع الزمان ـ بتأييد جماعة من سكان نيسابور ـ أن ينتصر على الخوارزمي الذي لم يعش طويلاً بعد هذه المناظرات فخلا الجو لبديع الزمان .
وقد شاع أمره وذاع صيته ، واتصل بعدد من الأمراء والوزراء وصار يتنقل بين مدن المشرق الإسلامي . فقصد خراسان وسجستان وغزنة ، وأخيرًا ألقى عصا الترحال في هراة ، حيث صاهر أبا علي الحسين بن محمد الخشنامي ، أحد علمائها ، فتحسنت أحواله وأقبلت الدنيا عليه . لكن المنية لم تمهله ففارق الدنيا وهو في سن الأربعين . ويقال في سبب وفاته إنه أصيب بغيبوبة فظن أهله أنه قد مات ، وعجلوا بدفنه ، فأفاق في قبره وسُمع صوته في الليل فنُبش عنه فوجد ميتًا وقد قبض على لحيته بيده.
عُرف بديع الزمان بكثرة إبداعاته وابتداعاته ـ ومن هنا جاء لقبه ـ في النثر العربي عامة وفي الترسلي منه خاصة . وبالرغم من أنه قد خلّف ديوان رسائله الذي يشتمل على أكثر من 230 رسالة ، أغلبها في الإخوانيات ، وديوان شعره ، إلا أن شهرته ارتبطت كثيرًا بابتداعه للفن القصصي العربي المشهور فن المقامات.
فقد كتب اثنتين وخمسين مقامة ، أصبحت نموذجًا يحتذيه عدد كبير من الكتاب الذين جاءوا بعده.
وينتمي في ترسله إلى مدرسة السجع والبديع التي أرسى قواعدها ابن العميد ، ويُعد من أواخر الكتاب الذين استطاعوا ـ إلى حد كبير ـ أن يوظفوا السجع والبديع توظيفًا فنيًا في كتاباتهم قبل أن يتحول السجع والبديع إلى قيود تكبل النثر العربي وتقيده .
المصدر / الموسوعة العربية العالمية
***********************
الهمذاني
.. رائد القصة والمقالة
(في ذكرى وفاته: 11 من جمادى الآخرة
398هـ)
يعد "بديع الزمان الهمذاني"
المبتكر الأول لفن المقامة الذي انتشر على نحو واسع كأحد فنون النثر في الأدب
العربي ، كما يعد الرائد الحقيقي للصحافة ، ليس في الأدب العربي فحسب ، وإنما كان
الصحفي الأول على الإطلاق ؛ فقد كانت رسائله ومقاماته النقدية الاجتماعية هي
البدايات الحقيقية الأولى لذلك الفن الذي عُرف فيما بعد بالصحافة .
الميلاد والنشأة :
ولد "بديع الزمان
أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني" في همذان سنة [358 هـ= 969م] ، لأسرة عربية ذات
علم وفضل ومكانة مرموقة ، فقد كان أخوه "الحسين بن يحيى" مفتي همذان.
ونشأ "بديع الزمان" في بيئة علمية خصبة ، حيث كانت همذان موطن عدد كبير من العلماء
الأعلام الذين تتلمذ عليهم "بديع الزمان" ، ومنهم " أحمد بن فارس" اللغوي المعروف
،
و"أبو بكر محمد بن الحسين الفراء" اللغوي الشهير.
وعندما بلغ "بديع الزمان" الثانية والعشرين من عمره غادر همذان متوجهًا إلى أصبهان
حيث اتصل بالصاحب بن عباد وزير "بني بويه".
كانت " أصبهان" -عاصمة "بني بوية"- مدينة جميلة حافلة بالمناظر الساحرة والبساتين
البديعة ، والقصور الفخمة والطبيعة الفاتنة ، ولذلك فقد كانت تجذب إليها الأدباء
والشعراء ، وكان للصاحب بن عباد دور كبير في تشجيع الأدباء والعلماء وإثراء الحركة
الأدبية والعلمية في أصفهان ، حتى غدت تلك المدينة ، إحدى منارات العلم في ذلك العصر
،
ومحط أنظار العلماء والأدباء ، وكعبة طلاب العلم من كل مكان.
في أصفهان
وأقبل بديع الزمان على مجالس الأدباء والشعراء في أصفهان ، وسرعان ما جذب إليه
الأنظار ببراعته وقوة حافظته ، حتى إنه كان يحفظ و"ينشد الشعر لم يسمعه قط -وهو أكثر
من خمسين بيتًا- إلا مرة واحدة ، فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى آخرها ولا يخرم
حرفًا ، وينظر في الأربعة أو الخمسة الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة
خفيفة ثم يهذّها عن ظهر قلب هذا ويسردها سردًا".
وكان الهمذاني يميل إلى الإسجاع والإغراب والأحاجي ، وكان بارعًا متفردًا في هذا
الباب ، يروى أنه "كان يُقترح عليه عمل قصيدة وإنشاء رسالة في معنى بديع وباب غريب
فيفرغ منها في الوقت والساعة ، وكان ربما كتب الكتاب المقترح عليه فيبتدئ بآخره ، ثم
هلم جرًّا إلى أوله ، ويخرجه كأحسن شيء وأملحه".
وعُرف بسرعة بديهته وحضور ذهنه وقدرته الفائقة على النظم والارتجال ، لا يكاد يباديه
أحد أو يجاريه إنسان ، فكان "يُقترح عليه كل عويص وعسير من النظم والنثر فيرجله أسرع
من الطرف على ريق لم يبلغه ، ونفس لا يقطعه ، وكلامه كله عفو الساعة وفيض اليد ومسارقة القلم
، ومسابقة اليد للفم ، وكان يترجم ما يُقترح عليه من الأبيات الفارسية
المشتملة على المعاني الغربية بالأبيات العربية".
الرحيل إلى نيسابور
إلا أن بديع الزمان السُّنّي المتعصب للعرب لم يستطع الاندماج في مجتمع بني بويه
وبلاط الصاحب بن عباد الشيعي الخالص ، ولم يطل مقام بديع الزمان بأصبهان ، فتركها إلى جرجان
، حيث أقام في كنف "أبي سعيد محمد بن منصور" ، واتصل بأميرها "شمس المعالي
قابوس بن وشمكير" أمير الدولة الزبادية ، وكان أديبًا بليغًا ، وله معه مراسلات
بديعية.
غير أن بديع الزمان لم يلبث أن غادر جرجان لخلاف بينه وبين أبي سعيد ، فاتجه إلى
نيسابور سنة [382هـ= 992م].
وكانت نيسابور أعظم مدن خراسان في ذلك الوقت ، وكانت ملتقى العلماء وأعلام الفكر
والأدب ، وكان العلماء والأدباء كثيرًا ما يعرّجون عليها في رحلاتهم بين المشرق
والعراق ، فيقيمون فيها بعض الوقت.
وذاعت شهرة بديع الزمان في نيسابور بعد مناظرته الشهيرة مع العالم الأديب " أبي بكر
محمد بن العباس الخوارزمي " وانتصاره عليه بشكل لفت الأنظار إلى قدراته الأدبية
الفذة ، فطار بذلك صيته وعلت شهرته .
واستطاع بديع الزمان خلال فترة إقامته بنيسابور إملاء عدد كبير من المقامات بلغت
أربعمائة مقامة ، وقد اتصل خلالها بعدد كبير من أدباء نيسابور وأعلامها مثل :
الأديب أبي نصر سهل بن المرزبان ، وأبي جعفر الميكالي أحد وجهاء آل ميكال المقدّمين
، وقد مدحه بديع الزمان ونال عطاءه ، كما كانت له صلة طيبة بواحد من أكبر وجهاء
نيسابور وهو أبو الطيب سهل بن محمد الصعلوكي ، وكانت له حظوة ومكانة كبيرة عنده .
وطاب المقام لبديع الزمان بنيسابور بعدما نال من الشهرة والحظوة ، ورغب في
الاستقرار بها ، ولكن حساده ومنافسيه سعوا بالوشاية ضده والدسائس عليه حتى أوغروا
عليه أبا جعفر الميكالي ، والصعلوكي ، فحُرِم مما كان ينعم به من الشهرة والجاه
والعطاء.
في ربوع خراسان
ولم يمضي عام على قدومه إلى نيسابور حتى كان قد خرج منها في أوائل سنة [383هـ =
993م] إلى سرخس حيث اتصل بالسلطان محمود الغزنوي الذي قربه وأحسن إليه ، وأغدق عليه
من عطاياه ، وهناك تعرف إلى عدد كبير من أعيان سرخس وعلمائها.
ولكنه لم يلبث أن شد عصا الترحال إلى بجستان ، فلقي ترحيبًا كبيرًا من أميرها "خلف
بن أحمد" ، ووجد في كنفه عيشًا رغدًا وحياة ناعمة هانئة ، ومكانة كريمة ، ولكن دسائس
الحساد ومكائد المنافسين سرعان ما أفسدت ما بينه وبين الأمير ، فتغير عليه ، وعندئذ
رحل إلى بوشينج ، وهناك توثقت صلته بالوزير أبي نصر الميكالي ، وبعد أن استقر بها
زمنًا ، رحل إلى هراة.
الاستقرار في هراة
كان سرور الهمذاني كبيرًا بهذه البلدة ، وبالرغم مما شهدته تلك المدينة من
الاضطرابات ـ نتيجة الحروب الكثيرة التي تعرضت لها ، وتغير الولاة عليها ، والمحن
المختلفة التي أصابتها من غلاء وفقر ومصادرات وأمراض ـ فإن الهمذاني فضل الاستقرار
بها ، وعاش فيها حتى توفي.
وكان بديع الزمان يرصد كل ما يحدث بها من ظواهر اجتماعية ، وأحداث سياسية ، ونكبات
اقتصادية ، ومعارك حربية ، ويسجل كل ما يراه من الجوانب السلبية التي سادت نواحي
الحياة المختلفة في عصره ، حتى غدت رسائله مصدرًا مهمًّا من مصادر التاريخ الاجتماعي لهراة في العقد الأخير من القرن الرابع الهجري.
وفي هراة استطاع الهمذاني أن يصيب قدرًا كبيرًا من الثراء ، وأن يحقق نجاحًا ملحوظًا
في نشاطه التجاري ، فتوسعت علاقاته التجارية حتى بلغت مدينة بلخ ، وقد ساعده على
ذلك على زواجه من ابنة أبي علي الحسين الخشنامي ـ أحد أعيان هراة ـ بالإضافة إلى
رعاية الوزير أبي نصر الميكالي له ، وتوطد علاقته بحاكم هراة "أبي عامر عدنان بن
محمد الضبي" و"أبي العباس الفضل بن أحمد الإسفراييني" وزير السلطان "محمود
الغزنوني".
من أقوال العلماء فيه
قال عنه الثعالبي : "هو بديع الزمان ومعجزة همذان ، ونادرة الفلك ، وبكر عطارد ،
وفرد الدهر ، وغرة العصور ، ومن لم يُدرك قرينه في النثر وملحه ، وغرر النظم ونكته
، ولم يُر أن أحدًا بلغ مبلغة من الأدب وسرّه ، وجاء بمثل إعجازه وسمره ، فإنه كان
صاحب عجائب وبدائع وغرائب".
ويصف الحاكم أبو سعيد عبد الرحمن بن دست ـ جامع رسائل الهمذاني ـ بقوله : " وكان
أبو الفضل طلق البديهة ، سمح القريحة ، شديد العارضة ، زلال الكلام عذبه ، فصيح
اللسان غضبه ، إن دعا الكتابة أجابته عفوًا ، وأعطته قيادتها صفوًا ، أو القوافي
أتته ملء الصدور على القوافي ، ثم كانت له طرق في الفروع هو افترعها ، وسننٌ في
المعاني هو اخترعها".
رسائل بديع الزمان
على الرغم من الشهرة الواسعة التي حققها بديع الزمان كأديب ورائد من رواد فن
المقامة في الأدب العربي ، وشاعر متميز ، فإنه لم يترك نتاجًا أدبيًا وشعريًا كبيرًا
، حيث لم يقدم ـ طوال عمره ـ سوى ثلاثة مصنفات هي: الرسائل ، والمقامات ، والديوان
،
ولكنه بالرغم من قلة إنتاجه فقد ترك بصمات واضحة على الأدب العربي ، وكان واحدًا من
أبرز رواده ، ومن المبدعين القلائل الذين ابتكروا ألوانًا من الأدب لم يسبقهم إليها
غيرهم .
وقد برع الهمذاني في فن الرسائل ، كغيره من كبار أدباء عصره في القرن الرابع الهجري
، الذي كان من أزهى عصور النثر الفني والكتابة الأدبية في تاريخ الأدب العربي ؛ فقد
كان القرن الرابع هو العصر الذهبي لكتابة الرسائل ، واتسمت الكتابة فيه بالإغراق في
ألوان البديع ، والولع بالزخارف اللفظية ، حتى غدت الرسائل وكأنها نسيج رائع موشّى
بالأسجاع ، محلّى بالمحسنات البديعية ولآلئ البيان.
وقد انقسمت الرسائل تبعًا لأغراضها وأساليبها إلى نوعين :
الرسائل الديوانية : وهي التي تكتب في شئون الدولة ، وتسجل الأحداث التاريخية أو
الأوامر والتوجيهات الرسمية إلى الولاة والأمراء والقواد وكبار الموظفين في الدولة.
وكان من أشهر كتاب هذه الرسائل: أبو الفضل بن العميد ، والصاحب بن عباد ، والوزير المهلبي
، والأمير قابوس بن وشمكير.
الرسائل الإخوانية: وهي التي يكتبها الأدباء عامة من غير العاملين في دواوين
الدولة ، وهي غير محددة بموضوعات معينة ، وإنما يكتبها الأدباء في مناسبات خاصة أو
مطارحات أدبية ومساجلات بلاغية فيما بينهم.
وكان من أشهر كتاب تلك الرسائل ـ بالإضافة إلى من سبق ـ: أبو حيان التوحيدي ، وأبو
بكر الخوارزمي ، وبديع الزمان الهمذاني.
وقد ترك بديع الزمان تراثًا وافرًا من الرسائل التي عكست بوضوح انطباعاته النفسية
العميقة ، وحسه الفني المرهف ، ومزاجه الأدبي الرفيع ، وكشفت بجلاء عن خلجاته وأحاسيسه
وكثير من جوانبه النفسية وحالاته الوجدانية من فرح وسرور ، أو تشاؤم وحزن ، أو شكوى
ونقمة ، وتظهر شجاعته واعتداده بنفسه ، فهو لا يبالي في هجومه على من يتعرض لنقدهم
،
وإظهار الجوانب السلبية التي يراها في أعمالهم وسلوكهم .
وتناول الهمذاني في رسائله العديد من الأغراض: كالمدح والهجاء ، والشكوى والعتاب ،
والتهنئة والاعتذار ، والاستعطاف والاستجداء ، والنصح والإرشاد ، والصداقة والإخاء
،
والفخر والاعتزاز بالنفس.
كما حظيت الحياة العامة والجوانب الاجتماعية - وخاصة العيوب والسلبيات التي كانت
منتشرة في زمانه- بنصيب وافر من رسائله ، ولعله في ذلك يكون أول رائد لفن المقالة
الصحفية في الأدب العربي ، بل ربما كان أول صحفي على الإطلاق عند العرب وغير العرب
،
فليست رسائله التي تناول فيها المشاكل العامة نقدًا وبناءً إلا مقالات صحفية
مبّكرة ، وإذا كانت ميزات الصحافة الحديثة سرعة انتشار الصحيفة ، فإن رسائل بديع
الزمان شأنها في ذلك شأن غيرها من رسائل معاصريه ، فلقد كانت سرعان ما تصل إلى كل
مكان من الأرض الإسلامية ، يتلقفها الناس ويقرءونها.
ويعنى الهمذاني في رسائله بانتقاء الألفاظ الموسيقية العذبة ، كما يحرص على توليد
الصور المختلفة في غير تكلف ولا عنت ، فهو يردد المعنى الواحد بصور شتى ، وصيغ
متعددة ، كما يحرص على الاقتباس من القرآن الكريم ، والشعر العربي ، ويهتم بألوان
البيان كالاستعارة والتشبيه ، كما يولع بالمحسنات البديعية كالسجع والجناس والطباق
المقابلة.
مقامات بديع الزمان
ترجع شهرة بديع الزمان الهمذاني إلى مقاماته الشهيرة التي كان له فضل السبق إليها ،
فهو أول من ابتكر فكرتها ، وأطلق عليها هذا الاسم حتى اشتهر بها وقد أعجب كثير من
الأدباء بهذا اللون الجديد من فنون الأدب ، فاقتفوا أثره ونسجوا على منواله.
وأصل المقامة في اللغة: المجلس والجماعة من الناس ، وقد أُطلقت على المحاضرة ، كما
أطلقت على المجالس التي كان يستقبل فيها الخلفاء الأدباء والعلماء.
ويذكر الثعالبي في ترجمته لبديع الزمان أنه أملى أربعمائة مقامة بنيسابور ، ولكن
الذي وصلنا منها لا يتجاوز اثنتين وخمسين مقامة فقط. وقد اخترع الهمذاني بطلين
لمقاماته ، سمى أحدهما عيسى بن هشام ، والآخر أبا الفتح الإسكندري ، وجعل الأول راوية
،
والثاني بطلا مغامرًا.
ولم يحرص بديع الزمان على أن يظهر أبا الفتح في جميع المقامات ، بل كان يقلل من شأن
مغامراته أحيانًا ويغفل ذكره أحيانًا ، وشخصية أبي الفتح الإسكندري شخصية مثيرة
متعددة الجوانب ، تثير العجب وتدعو إلى الإعجاب ، فهو يحترف الكُدية (التسول)، ويتميز
بالفصاحة في اللسان ، والبراعة في الشعر ، كما أنه شخصية فكاهية مرحة ، يتسم بالذكاء
وخفة الظل ، محب للمغامرة وارتياد المجهول.
وموضوعات المقامات -في معظمها- ذات صلة بالناس ، وتتعلق بالحياة اليومية والمشكلات
العامة ، وتصور أخلاق المعاصرين وأحوال العصر أحسن تصوير.
وتتميز المقامات بكثرة الشواهد الشعرية ، وحسن المواءمة بين الشعر والنثر ، كما تظهر
فيها قدرات الهمذاني البيانية العالية ، وبراعته الفائقة في استخدام المحسنات
البديعية.
بديع الزمان شاعرًا
لم يكن الهمذاني وحده من بين أدباء عصره الذي اقتحم ميدان الشعر ، فإن كثيرًا من
معاصريه مارسوا نظم الشعر حتى أصبح ذلك تقليدًا متبعًا عند قدامى الكتاب الذين
حافظوا على تلك الظاهرة ، وتوارثوها ، حتى إننا لنجد أثرًا منها لدى كثير من الكتاب
في العصر الحديث ، مثل عباس محمود العقاد ، وإبراهيم عبد القادر المازني ، ومصطفى صادق
الرافعي ، وطه حسين.
ويحتل المديح الجانب الأكبر من ديوان الهمذاني ، وتتوزع بقية الأغراض في الجزء
المتبقي من الديوان. ويتفاوت شعره من حيث الجودة ، وأجود شعره في أغراض المدح ، فإذا
كتب في غيره من الأغراض قل نصيبه من الجودة ، وصارت طبيعة الكاتب هي الغالبة عليه.
ومن شعره الجيد في الحكمة:
يا من يطـــــــيل بناءه متوقيًا
*** ريب المنون وصرفه لا تُحْرَجِ
فالموت يفرغ كل قصر شامخٍ *** والمــــوت يفتح كل باب مرْتَجِ
ومن شعره في الوصف ، ويتجلى فيه كلفه بالمحسنات البديعية :
خلع الربيع على الربى *** وربوعها خــــــزًا وبزّا
أَوَما ترى الأقــــطار قد ***
أخذت من الأمطار عِزّا
ومن شعره في مدح السلطان محمود بن سبكتكين :
أطلت شمس محمود
*** على أنجم ســاحان
وأمســــى آل بهـرام
*** عبيدًا لابن خــاقان
إذا ما ركــــب الفيـل
***
لحرب أو لميـــدان
رأت عـيناك سلطانا
***
على منكب شيطان
وتوفي بديع الزمان الهمذاني في [11 من جمادى الآخرة 398هـ= 23 من فبراير 1008م] عن
عمر بلغ أربعين عامًا ، وتذكر الروايات أنه مات بالسكتة ، وعُجّل بدفنه فأفاق في
قبره ، وسمع صوته بالليل ، فنُبش عنه ، فوجدوه قابضًا على لحيته ، ولكن ابن خلكان يذكر
أنه مات مسمومًا دون أن يشير إلى من دس له السم ، أو أن له أعداء.
الكاتب / سمير حلبي
**********************
في ذكر أبي الفضل الهمذاني وحاله
هو أحمد بن الحسين بديع الزمان ، ومعجزة همذان ، ونادرة الفلك ، وبكر عطارد ، وفرد الدهر ، وغرة العصر ، ومن لم يلق نظيره في ذكاء القريحة وسرعة الخاطر وشرف الطبع وصفاء الذهن وقوة النفس ، ومن لم يدرك قرينه في ظرف النثر وملحه وغرر النظم ونكته ، ولم ير ولم يرو أن أحداً بلغ مبلغه من لب الأدب وسره ، وجاء بمثل إعجازه وسحره ، فإنه كان صاحب عجائب وبدائع وغرائب ، فمنها أنه كان ينشد القصيدة التي لم يسمعها قط وهي أكثر من خمسين بيتاً فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى آخرها ، لا يخرم حرفاً ولا يخل بمعنى ، وينظر في الأربعة والخمسة أوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة ثم يهدها عن ظهر قلبه هذا ويسردها سرداً. وهذه حاله في الكتب الواردة عليه وغيرها.
وكان يقترح عليه عمل قصيدة أو إنشاء رسالة في معنى بديع وباب غريب ، فيفرغ منها في الوقت والساعة والجواب عنها فيها.
وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه في بآخر سطر منه ثم هلم جر إلى الأول ويخرجه كأحسن شيء وأملحه ، ويوشح القصيدة الفريدة من قوله بالرسالة الشريفة من إنشائه ، فيقرأ من النثر والنظم ويعطي القوافي الكثيرة فيصل بها الأبيات الرشيقة ، ويقترح عليه كل عويص وعسير من النظم والنثر فيرتجل في أسرع من الطرف ، على ريق لا يبلعه ونفس لا يقطعه. وكلامه كله عفو ساعة ، وفيض البديهة ، ومسار القلم ، ومسابقة اليد ، وجمرات الحدة ، وثمرات المدة ، ومجاراة الخاطر للناظر ، ومباراة الطبع للسمع ، وكان يترجم ما يقترح عليه من الأبيات الفارسية المشتملة على المعاني الغربية ، بالأبيات العربية ، فيجمع فيها بين الإبداع والإسراع ، إلى عجائب كثيرة لا تحصى ، ولطائف يطول أن تستقص وكان مع هذا كله مقبول الصورة خفيف الروح ، حسن العشرة ، ناصع الظرف ، عظيم الخلق ، شريف النفس كريم العهد ، خالص الود ، حلو الصداقة ، مر العداوة وفارق هدم سنة ثمانين وثلث وهو مقتبل الشيب غض الحداثة ، وقد درس على أبي الحسين بن فارس وأخذ عنه جميع ما عنده واستفد علمه واستنزف بحره ، ورد حضرة الصاحب أبي القاسم فتزود من ثمارها وحسن آثارها ، ثم قدم جرح وأقام بها مدة على مداخلة الإسماعيلية والتعيش في أكن والاقتباس من أنوار واختص بأبي سعد محمد بن منصور أيده الله تعالى ، ونفقت بضائعه لديه ، وتوفر حظه من عادته المعروفة في إسداء المعروف وأفضل على الأفاضل ، ولما استقرت عزيمته على قصد نيسابور أعانه على حركته ، وأزاح علله في سفرته فوافاها في سنة اثنين وثمانين وثلاثة ، ونشر ما بزّه ، وأظهر طرزه وأملى أربعمائة مقامة نحلها أبا الفتح الإسكندر في الكدية وغيرها وضمنها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، من لفظ أنيق قربي المأخذ بعيد المرام ، وشجع رشيق المطلع والمقطع كشج الحمام ، وجد يروق فيم القلوب ، وهزل يشوق فيسحر العقول ، ثم شجر بينه وبين أبي بكر الخوارزمي ما كان سبباً لهب ريح هدم وعلو أمره وقرب نجح وبعد صيته ، إذ لم يكن في الحسبان والحساب أن أحداً من الأدباء والكتاب والشعراء ينر لمباراته ، ويجتر على مجاراته ، فلما تصدى هدم لمساجلته ، وتعرض لتحك به ، وجرت بينهما ما يجري مكاتبات ومباه ومناظرات ومناضلات ، وأفضل السنان إلى العنان ، وفرع النبع بالنبع ، وغلب هذا قوم وذاك آخرون ، وجرى من الترجيح بينهما ما يجري بين الخصمين حاكم والقرنين الوصل ، طار ذكر الهدم في الآفاق ، وارتفع مقدار عند الملوك والرؤساء ، وظهرت أمارة الإقبال على أموره ، وأدّر له خلاف الزرق وأركبه كناف العز ، وأجاب الخوارزمي داعي ربه فخلا للهدم ، وتصرفت به أحوال جميلة وأسفار كثيرة ، ولم يبق من بلاد خراسان وسجن وغزت بلدة إلا دخلها وجنى وحب ثمرتها ، واستفاد خيرها وأميرها ، ولا ملك ولا أمير ولا وزير ولا رئيس إلا مطر منه بنوء ، وسرى معه في ضوء ، ففاز بر النعم ، وحصل على غرائب القسم وألقى عصا بهر واتخذها دار قراره ، ومجمع أسبابه ، وما زال يرتاد للوصلة بيتا يجمع الأصل والفضل ، والطهارة والستر والقديم والحديث ، حتى وفق التوفيق كله ، وخار الله له في مصاهرة أبي علي الحسين بن محمد الخشن وهو الفاضل الكريم الأصيل ، الذي لا يزاد اختباراً ، إلا زيد اختيار ، فانتظمت أحوال أبي الفضل بصهر ، وتعرفت الق في عينه والقوة في ظهر ، واقتنى بم ومشورته ضياعاً فاخرة وأثر معيشة صالحة وثروة ظاهرة وعاش عيشة راضية ، وحين بلغ أشده وأرب على أربعين سنة ناداه الله فلباه وقدم على آخر وفارق دنياه في سنة ثمان وتسعين وثلاثة ، فقالت عليه نواب الأدب ، ومثل حد القلم ، وفقدت عين الفضل قرتها ، وجبهة الدهر غرتها وبكاه الأفاضل مع الفضائل ، ورثاه الأكارم مع المكارم ، على أنه ما مات من لم يمت ذكره ، ولقد خلد من بقي على الأيام نظمه ونثره ، والله يتولاه بعفوه وغفرانه ، ويحييه بروحه وريحانه ، وأنا كاتب من ظرف ملحه ولفظ غرره ، ما هو غذاء القلب ونسيم العيش وقوت النفس ، ومادة الأنس.
المصدر / كتاب يتيمة الدهر